ابن الجوزي

88

صفة الصفوة

قلت : ضيف رحمك اللّه . قال : إن كنت ضيفا فادخل ، فدخلت فأقمت عنده ثلاثة أيام لا يكلّمني . فلما كان بعد ثلاث قلت : رحمك اللّه أتيتك من واسط وإني أحببت أن تزوّدني شيئا . قال : صم الدنيا واجعل فطرك الموت . قلت : زدني رحمك اللّه . قال : فرّ من الناس فرارك من الأسد ، غير طاعن عليهم ، ولا تارك لجماعتهم . قال : فذهبت أستزيده فوثب إلى المحراب وقال : اللّه أكبر . عن أبي الربيع الأعرج قال : أتيت داود الطائي ، وكان لا يخرج من منزله حتى يقول « 1 » : قد قامت الصلاة فيخرج فيصلي فإذا سلّم الإمام أخذ نعله ودخل منزله . فلما طال ذلك عليّ أدركته يوما فقلت : يا أبا سليمان على رسلك . فوقف لي فقلت له : أبا سليمان أوصني . قال : اتّق اللّه ، وإن كان لك والدان فبرّهما . ثم قال : ويحك صم الدنيا واجعل الفطر موتك ، واجتنب الناس غير تارك لجماعتهم . عبد اللّه بن إدريس قال : قلت لداود الطائي : أوصني . قال : أقلل من معرفة الناس . قلت : زدني . قال : ارض باليسير من الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا مع فساد الدين . قلت : زدني . قال : اجعل الدنيا كيوم صمته ثم أفطرت على الموت . إسحاق بن منصور السّلولي قال : دخلت أنا وصاحب لي على داود الطائي وهو على التراب ، فقلت لصاحبي : هذا رجل زاهد . فقال داود : إنما الزاهد من قدر فترك . الوليد بن عقبة قال : كان يخبز لداود الطائي ستون رغيفا يعلّقها بشريط ، يفطر كل ليلة على رغيفين بملح وماء . فأخذ ليلة فطره فجعل ينظر إليه . قال : ومولاة له سوداء تنظر إليه ، فقامت فجاءته بشيء من تمر على طبق فأفطر ثم أحيا ليلته وأصبح صائما . فلما جاء وقت الإفطار أخذ رغيفيه وملحا وماء . قال الوليد بن عقبة : فحدثني جار له قال : جعلت أسمعه يعاتب نفسه ويقول : اشتهيت البارحة تمرا فأطعمتك ، واشتهيت الليلة تمرا ؟ لا ذاق داود تمرا ما دام في الدنيا .

--> ( 1 ) والمعنى : حتى يقول المؤذن في إقامته . . .